صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

171

تفسير القرآن الكريم

بالجزئيات الجسمانية ، وتنتزع منه الكليّات لأجل المشاركات بينها والمباينات . والأول طريق الأبرار ، والثاني مسلك النظّار . وهو معكم أينما كنتم - لأن موجوديّة أعيانكم الثابتة بظهوره في مظاهرها 67 وتجليّه في مرائيها . واللّه بما تعملون بصير - لكونه مشهودا له حاضرا عنده منقوشا في الألواح 68 العالية وملكوتها بحضرته . لعمة إلهية إن معيّته تعالى للأشياء ليست كمعيّة جسم لجسم 69 ، أو جسم لعرض ، أو عرض لعرض 70 ، وبالجملة ليست تلك المعيّة معيّة في الوضع والمكان ولا في الزمان والآن ، ولا في المحلّ والحالّ ، ولا في الفعل والانفعال ، ولا في الحركة والانتقال : لتعاليه عن هذه الأوصاف والأشباه والأمثال . وليست أيضا معيّة في الوجود ، لكونه قبل كل موجود وقبليّته قبليّة لا تنقلب إلى المعيّة التي تقابلها . بل معيّته تعالى نحو آخر من المعيّة مجهولة الكنه . وإنما يعرف الراسخون في العلم 71 لمعة منها ويشمّون رائحة من كيفياتها وإذا أرادوا أن يفيضوا على غيرهم من المستعدّين شيئا منها مثّلوا لهم مثال المرآة 72 وقالوا : إن اللّه تعالى يتجلّى للأشياء كما تتجلّى صورة الشخص في المرائي المتعددة المختلفة صغرا وكبرا ، واستقامة واعوجاجا ، وصفاء وكدورة ، وغشّا وخلاصا ، وإن التجلّى من قبله حاصلة دائما لجميع الأشياء - لأنه نور ، والنور من حقيقته التجلّي والظهور على المجالي والمظاهر - لكن عدم ظهور هذا التجلّي إما لضعف فيها وصغر في مرآة ذاتها لا تطيق احتمال النور العظيم الباهر - كما لا تطيق نور الشمس أبصار الخفافيش وعيون العمشان إلا ظلالا ضعيفا منه - وهذا مثال الأجسام والنفوس الناقصة كالجماد والنبات ، وغير الناطق من الحيوان والناقص من الإنسان .